الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

187

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الاستدلال في أحد عشر سؤالا متتابعا ( بصورة الاستفهام الإنكاري ) ، وبتعبير أجلى : إن هذه الآيات تسد جميع الطرق بوجه المخالفين فلا تدع لهم مهربا في عبارات موجزة ومؤثرة جدا بحيث ينحني الإنسان لها من دون اختياره إعظاما ويعترف ويقر بانسجامها وعظمتها . فأول ما تبدأ به هو موضوع الخلق فتقول : أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون ( 1 ) . وهذه العبارة الموجزة والمقتضبة في الحقيقة هي إشارة إلى " برهان العلية " المعروف الوارد في الفلسفة وعلم الكلام لإثبات وجود الله ، وهو أن العالم الذي نعيش فيه مما لا شك - فيه - حادث ( لأنه في تغيير دائم ، وكل ما هو متغير فهو في معرض الحوادث ، وكل ما هو في معرض الحوادث محال أن يكون قديما وأزليا ) . والآن ينقدح هذا السؤال ، وهو إذا كان العالم حادثا فلا يخرج عن الحالات الخمس التالية : 1 - وجد من دون علة ! 2 - هو نفسه علة لنفسه . 3 - معلولات العالم علة لوجوده . 4 - إن هذا العالم معلول لعلة أخرى وهي معلولة لعلة أخرى إلى ما لا نهاية . 5 - إن هذا العالم مخلوق لواجب الوجود الذي يكون وجوده ذاتيا له . وبطلان الاحتمالات الأربع المتقدمة واضح ، لأن وجود المعلول من دون علة محال ، وإلا فينبغي أن يكون كل شئ موجودا في أي ظرف كان ، والأمر ليس كذلك ! والاحتمال الثاني وهو أن يوجد الشئ من نفسه محال أيضا ، لأن مفهومه أن

--> 1 - هناك تفسيرات اخر واحتمالات متعددة في وجوه هذه الآية ، منها أن مفادها : هل خلقوا بلا هدف ولم يك عليهم أية مسؤولية ؟ ! . . وبالرغم أن جماعة من المفسرين اختاروا هذا الوجه إلا أنه مع الالتفات لبقية الآية : أم هم الخالقون يتضح أن المراد هو ما ذكر في المتن ، أي خلقوا من دون علة . أم هم علة أنفسهم ؟ ! .